مفارقة ساخرة!

مجتمع
areeh
نشرت منذ 8 أشهر يوم 10 ديسمبر 2019-wait...
بواسطة areeh
مفارقة ساخرة!
سخرية القدر

سخرية القدر : هي عندما تصل سنة 2019 وأمام هذا الكم الهائل من التكنولوجيا المتطورة، تجد صلة الرحم شبه منعدمة أو بالأحرى: “انعدمت”.
وضعت التكنولوجيا الحديثة المجتمع في غرفة صغيرة تيسر عملية التواصل بين الجميع من أقصى الأرض إلى أدناها. وبالرغم من نتائجها الايجابية، بتسهيل عملية الالتقاء والتواصل وتخطي الحواجز وتضييق المساحات، أثرت سلبا في عملية التواصل بين الأقارب وصلة الرحم، من خلال عملية التواصل غير المباشرة في العلاقات الإنسانية. فالرسالة النصية والمكالمات حلت محل الزيارات. وهذا، بالطبع، غير جيد من ناحية مد جسور العلاقات الإنسانية. فالعزلة والانفصال وانقطاع صلة الرحم أدت لقطع الحميمية تدريجيا بين العائلات والأصدقاء، لدرجة أن ترى أشخاصا يعيشون في مكان واحد ولا يتحدثون أو يتواصلون مع بعضهم البعض لانشغالهم بأجهزة المحمول. فالأسر كانت متماسكة في السابق. كانت ملتفة حول بعضها و”النية صافية وصادقة”، لكن، مع التوسع الحضاري ووصول التقنيات، كثر التفكك الأسري والتعالي على البعض، كما انتشر التباعد الأسري. وهذه هي المفارقة! كان من المفروض أن تزيد هذه التقنيات من لحمة الأسر والحرارة البشرية. ومع ذلك، إننا لا نعتبر التقنيات الرقمية السبب الرئيس لهذا التفكك أو التباعد. فثمة عوامل أخرى كثيرة. وقد تكون التكنولوجيا الرقمية أحيانا سببا رئيسا، كالزوجة التي اعتدى عليها زوجها وانتشر خبرها بسبب الفيسبوك!
وعودة لذلك الماضي البعيد والجميل، الذي لم تكن تتواجد فيه أي وسيلة للتواصل، غير الرسائل، التي كانت بدورها قد تصل في مدة شهر.كانتأخبار الموت أو ميلاد مولود أو دعوة لفرح لا تصلإلا بعد شهر أو شهرين! تلك الرسالة التي تجد كل الأحباب ينتظرونها بأشواق ودمعات، بمجرد قراءة أول سطر منها. فيلمسك إحساس المغترب وصدق شوقه ومحبته، تشعر كأنك معه بمجلسه تحادثه وجها لوجه.
مع مرور السنوات،تطورت الوسيلة الاتصالية وظهر الهاتف الثابت. وما أدراك ما الهاتف الثابت آنذاك؟كان لا يملكه إلا أصحاب المال وذوو الشأن، يقصدهم البسطاء محملين بأشواقهم وكلماتهم الصادقة.لا هم لديهم سوى السؤال عن أحبابهم، من قريب أو من بعيد. كل من شاركهمطعامهمفهو من أهلهم. هاجسهم الوحيد صلة أرحامهموإخبارهم عن جديدهم والمتغير الطارئ طيلة الشهرين المنصرمين.
مضت السنوات تسعى جاهدة للتطور،محاولة تقريب الناس والمسافات. كان الناس يقفون بالدور، رغم ألم الوقوف طويلا أمام المخادع الهاتفية بالأزقة، حاملين بضع دريهمات والكثير من الحب واللهفة: فقط ليسمعوا ويطمئنوا أن أهلهم بخير. حتى لو انقطعت المكالمة وسط المحادثة، كانت تكفيهم تلك الثواني ليعيشو دهرا صامدين بسماع صوتهم إلى حين ميسرة ولم الشمل.
أما الآن، يا صديقي، بلغنا سنة 2019 وعلى مشارف 2020، أي الحداثة وعصر السرعة والتكنولوجيا، بل نحن التكنولوجيا ذاتها، فكيف يعقل في زمن الهاتف الذكي والأنترنت والمكالمات المجانية بالفيديو ألا نجد أحدا يكلم الآخر، بل لا يصل رحمه؟ أيعقل أن القلوب ماتت والضمائر غابت إلى هذه الدرجة؟ حتى الحجر ينفلق فيصبح فتاتا، فما بالك بالإنسان ذياللحم والدم؟
إذا كانت هذه هي الحضارة، إذا هنيئا لنا بحضارة مرادفها التخلف! هنيئا لنا بالتكنولوجيا والحداثة!
هي مفارقة حياة غريبة بين جيلين. إنها سخرية القدر!

كلمات دليلية
رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.